ابن بسام
32
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وضمّها جملة إلى عمله ، ثم مدّ يده بعد إلى القاسم بن حمود صاحب الجزيرة الخضراء ، فرضة المجاز من الأندلس / إلى أرض العدوة التي كان منها فتحها ومن قبلها ما أتاها على قدم الدهر ، وذلك أنه لما وجد هذا الفتى ، على نباهته وجلالة عمله ، أضعف أمراء البرابرة شوكة وأقلّهم رجالا ، صمد له وحصره ، فاستغاث القاسم حلفاءه بالأندلس وصاحب سبتة سقوت البرغواطي « 1 » مولى ابن حمود ، فأبطأ عليه حتى سقط في يده ، ونزل على أمان ، وآل أمره إلى أن لحق بقرطبة وأسكنها تحت كنف ابن جهور مع نظرائه من المخلوعين . فلما كانت سنة إحدى وخمسين ، وقد أتيح له من الظفر ما أتيح ، اتّصلت الأنباء عندنا بقرطبة بصموت منابره في جميع أعماله عن ذكر إمامه هشام بن الحكم ، صاحب الرّجعة ، الذي اتّصل الدعاء له على منابره من عهد قيام والده إلى آخر هذه السنة ، يومئ إليه بالحياة في غياهب الحجب من غير ظهور لخاصّة ولا عامّة ، ودعوته على ذلك كلّه [ 7 أ ] مرفوعة عند من ائتسى بالمعتضد من أمراء شرق الأندلس ، إلى أن قطعها قاطع الأعناق عليها ابن عبّاد ، فذكر أنّه دعا وجوه حضرته فنعى لهم إمامهم هشاما ، وكشف إليهم تقدّم وفاته من علّة زمانية ، ووصف أنّ الحال التي كان بسبيلها من اشتداد الفتنة بينه وبين من تظاهر عليه من أمراء الأندلس الدّانين منه عاقه يومئذ عن البوح بوفاة هذا الإمام والشهرة لدفنه ، إعطاء للحزم بقسطه ، فلمّا سكنت الحال وجب التصريح بالحقّ ، وعطف - زعموا - بكلامه على شحذ بصائرهم في التمسّك بحبل الإمامة ، والفرار عن الميتة الجاهلية . وذكر أنّه خاطب من كان تحت دعوة هذا المنعيّ هشام من أمراء الأندلس ناعيا له ، داعيا إلى التعوّض منه ، فارتفعت الدعوة منذ ذلك الوقت ، وصارت هذه الميتة لحامل / هذا الاسم الميتة الثالثة ، وعساها تكون إن شاء اللّه الصادقة ، فكم قتل وكم مات ، ثمّ انتفض من التراب ، ومزّق الكفن قبل نفخة الصور ووقعة الواقعة ، فقد كان مات في يد أول خالعيه محمّد بن هشام بن عبد الجبار ودفن علانية ، ثمّ نشر بيد واضح الصقلبي فتى بني أبي عامر ودال مديدة ، ثمّ قتله خالعه الثاني سليمان المستعين ودفنه خفية ، ثم أبرز صداه عليّ بن حمّود الحسني المنتزي ، يذكي الطّلب بثأره على الدولة ،
--> ( 1 ) سيأتي خبر سقوت في هذا القسم من الذخيرة : 657 - 661 .